الشاعر عيسى السلامي.يكتب
🌹"إعلام الخلف ب أعلام السلف"
صافوريه بنت شعيب
اسمها صافورية وتعنى «العصفورة».هي ابنة النبى شعيب عليه السلام حسبما ذكره المفسرون.
وشعيب هو النبى الذي بعث (لأصحاب الأيكة وهم قوم مدين) الذين كانوا يعبدون شجرة ملفوفة.
تزوجت صافورية بالنبي موسى عليه السلام، وكانت نموذجاً للمؤمنة الصالحة ، ذات الفراسة والحياء، وكانت قدوة في الاهتمام باختيار الزوج الأمين العفيف. وولدت له ابنين أحدهما اسمه جرشوم، والثاني أليعازر .
أخلاق صافورية رضي الله عنها زوجة موسى عليه السلام ورد ذكرها في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى:
(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).
فذكرها القرآن الكريم بحيائها، وورد تفسير الآية بأنّ الفتاة جاءت ساترةً وجهها حياءً، وروي عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- أنّها سترت وجهها بكُمّ درعها أو كمّ قميصها، وورد أيضاً أنّها غطّت وجهها بكلتا يديها، وورد في تفسير القرآن للطبريّ من إحدى الرّوايات أنّ الفتاة مشت بين يدي موسى عليه السلام- فضربها الرّيح فبانت مؤخرتها ، فقال لها موسى عليه السلام: (امشي خلفي، ودلّيني على الطّريق إن أخطأت).
كما أنّ من أخلاق زوجة موسى -عليه السلام- برّها بوالدها والسعي إلى مساعدته وتخفيف المسؤوليات والأحمال عنه، فبالرغم من صعوبة رعي الغنم وسقايته، إلّا أنّها وأختها قمن بأداء العمل عن والديهما ولم يُشغلاه به لكبر سنّه.
وحكاية لقاء موسى عليه السلام بصافورية ذكرها القرآن الكريم.
فقد شبّ نبيّ الله موسى -عليه السّلام- في قصر فرعون وتربّى تحت عينيه، وفي ذات مرّة رأى موسى -عليه السّلام- رجلاً من الأقباط من أتباع فرعون يُقاتل رجلاً من بني إسرائيل، فأسرع موسى -عليه السّلام- إلى نُصرة الرجل الإسرائيليّ فدفع القبطيّ ومات من فوره من غير قصد من موسى عليه السّلام، فانتشر الخبر بسرعة بين النّاس بأنّ موسى قتل رجلاً من الأقباط، فهمّ فرعون وملأه أن يقتلوا موسى -عليه السّلام- لأنّه قتل القبطيّ، فجاء رجل ناصح إلى موسى -عليه السّلام- بأن يخرج من مصر حفاظاً على سلامته من بطش فرعون وظُلمه، فخرج موسى من مصر متوجّهاً إلى مدين.
عندما كان موسى -عليه السّلام- في الطريق إلى (مدين)
وهي تقع اليوم غرب مدينة تبوك، بين تبوك وساحل البحر الأحمر، على حدود الحجاز.
وتسمى محافظة البدع وتبعد عن مدينة تبوك 250 كم غرباً، وعن ساحل خليج العقبة 25كلم شرقا، على الطريق الدولي في المملكة العربية السعودية المرتبط بالأردن بمنفذ الدرة.
وكانوا يبنون بيوتهم من الحجارة البدائية المستديرة الشكل، وتتكاثر حول بعضها، وتارةً تتباعد، وكان الناس ينقلون هذه الحجارة ويوظفونها في منازلهم أو مزارعهم، حيث يستوطنون الجبال أو الأماكن التي حولها آثار مياه ومزارع.
فوصل سيدنا موسى إلى مورد ماء عليه مجموعة كبيرة من الرّعاة يسقون مواشيهم، ورأى في ناحيةٍ أخرى امرأتين مع أغنامهما تنتظران انتهاء الرّعاة من السّقاء حتى يسقيا، فأقبل موسى -عليه السّلام- يستفسر عن حالهما، فأخبرتاه بحالهما بأنّهما لا تريدان مزاحمة الرجال لتسقيا، وأخبرتاه بأنّ والدهما رجل كبير لا يستطيع أن يسقي من مورد الماء، فسقى لهما موسى -عليه السلام- ثمّ لجأ إلى ظلّ شجرة بعد مشقّة السفر، ثمّ توجّه لله تعالى- بالدعاء ليكفيه همّ جوعه وعطشه، فجعل الله تعالى- له الفرج؛ إذْ أخبرت الفتاتان والدهما عمّا حدث معهما، وحدّثتاه عن موسى عليه السّلام، فبعث إحداهما تطلب من موسى الحضور إلى والدها ليتعرّف عليه ويشكره على حُسن صنيعه معهما، فذهب موسى مع الفتاة إلى والدها، وتعرّف عليه، ثمّ عرض الشيخ عليه عرضاً أكبر ممّا انتظر موسى عليه السّلام؛ إذْ عرض عليه أن يزوّجه إحدى ابنتيه مقابل أن يخدمه لثمان سنوات أو عشر في رعي الأغنام.
و(ثمان حجج) يعني : أن تكون أجيرا لي ثمان سنين، قال الفراء : يعني : تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب : آجرك الله بأجرك أي : أثابك، والحجج : السنون، واحدتها حجة، (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي : إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع، ليس بواجب عليك، (وما أريد أن أشق عليك) أي : ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) قال عمر : يعني : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.
وذكر ابن عاشور في كتاب التحرير والتنوير أنّ موسى -عليه السّلام- بعد أن خُيّر بين الفتاتين اختار الصغرى؛ لأنّها أرشدته إلى طريق والدها، فعرف منها حيائها وأخلاقها فرجّحها على أختها، ثمّ تزوّجها.
دروس مستفادة من زواج موسى جاءت قصّة زواج موسى -عليه السلام- من زوجته مختلفةً عن العادة؛ لأنّ والدها هو من عرض على موسى -عليه السلام- أن يزوّجه إحدى ابنتيه، فكانت إيحاءً لجواز أن يخطب الرّجل لابنته من يرى فيه الخلُق والدّين، وهناك أمور أخرى مستفادة من قصّة موسى -عليه السلام- في طريقه إلى مدين أو حين التقى الرجل الصالح وابنتيه، منها:
-جواز الهجرة أو الخروج من البلد الذي يشعر الإنسان فيه أنّه غير آمن على نفسه أو على دينه أو على عرضه، حيث كانت هجرة موسى -عليه السلام- إلى مدين خوفاً على نفسه من ظلم فرعون وبطشه وطغيانه.
-اتصاف المسلم بالمبادرة لتقديم المعونة والمساعدة لمن يحتاجها دون سؤال وطلب ابتغاء نيل مرضات الله تعالى.
-عفّة موسى -عليه السلام- التي يجب أن يتحلّى بها الشباب المسلمين، فحين أقبل موسى -عليه السلام- على الفتاتين ليعلم حاجتهما استفسر عن حاجتهما فقط ولم يتوسّع في الحديث فيما لا حاجة له فيه.
-لجوء المسلم إلى الله -تعالى- وحده لبثّ وسؤال الحاجات والبعد عن سؤال الناس.
-الوفاء بالعهود والشروط من أخلاق المسلم، فموسى -عليه السلام- أوفى بعهده الذي وعد به الرجل الصالح وهو العمل برعي الأغنام.
-استحباب أن يُطمئن المسلم أخاه أو من لجأ إليه رغبةً وحاجةً في الحماية والمعونة، فعندما جاء موسى -عليه السلام- إلى الرجل الصالح طمأنه من فوره، حيث قال الله تعالى في القرآن الكريم: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
ويذكر أن موسى عليه السلام قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما هو عشر سنين على رأي الجمهور، وقوله: { وسار بأهله} قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده مصر وأهله، فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره.
فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلاً فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئاً فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك { آنس من جانب الطور نارا} أي رأى ناراً تضيء على بعد { فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً} أي حتى أذهب إليها { لعلي آتيكم منها بخبر} وذلك لأنه قد أضل الطريق { أو جذوة من النار} أي قطعة منها { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئون بها من البرد.
قال اللّه تعالى: { فلما آتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه( والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء) في لحف الجبل مما يلي الوادي فوقف باهتاً في أمرها فناداه ربه { أن يا موسى إني أنا اللّه رب العالمين} أي الذي يخاطبك ويكلمك هو { رب العالمين} الفعال لما يشاء تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات، في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، وقوله: { وإن ألق عصاك} أي التي في يدك، كما في قوله تعالى: { وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} ، والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها { ألقها فألقاها فإذا هي حية تسعى} ، فعرف وتحقق أن الذي يكلمه ويخاطبه هو الذي يقول للشيء كن فيكون. { فلما رآها تهتز} أي تضطرب، { كأنها جان ولى مدبرا} أي في حركتها السريعة مع عظم خلقتها واتساع فمها، واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعها تنحدر في فيها، تتقعقع كأنها حادرة في واد.
فعند ذلك { ولى مدبرا ولم يعقب} أي ولم يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال اللّه له: { يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} رجع فوقف في مقامه الأول، قال اللّه تعالى:
{ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال { من غير سوء} : أي من غير برص. وقوله تعالى: { واضمم إليك جناحك من الرهب} قال مجاهد: من الفزع، وقال قتادة: من الرعب مما حصل لك من خوفك من الحية؛ والظاهر أنه أمر عليه السلام إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهو يده فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده. عن مجاهد قال: كان موسى عليه السلام قد ملئ قلبه رعباً من فرعون، فكان إذا رآه قال: (اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره) فنزع اللّه ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار ""رواه ابن أبي حاتم عن مجاهد"". وقوله تعالى: { فذانك برهانان من ربك} يعني جعل العصا حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: { إلى فرعون وملئه} أي وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، { إنهم كانوا قوما فاسقين} أي خارجين عن طاعة اللّه مخالفين لأمره ودينه.
ثم عاد إلى أهله، وواصل رحلته إلى مصر ودعوة فرعون الى الإيمان وتوفيت صافورية في حياته.
والله اعلم
مع تحياتي
عيسى السلامي
🌹"إعلام الخلف ب أعلام السلف"
صافوريه بنت شعيب
اسمها صافورية وتعنى «العصفورة».هي ابنة النبى شعيب عليه السلام حسبما ذكره المفسرون.
وشعيب هو النبى الذي بعث (لأصحاب الأيكة وهم قوم مدين) الذين كانوا يعبدون شجرة ملفوفة.
تزوجت صافورية بالنبي موسى عليه السلام، وكانت نموذجاً للمؤمنة الصالحة ، ذات الفراسة والحياء، وكانت قدوة في الاهتمام باختيار الزوج الأمين العفيف. وولدت له ابنين أحدهما اسمه جرشوم، والثاني أليعازر .
أخلاق صافورية رضي الله عنها زوجة موسى عليه السلام ورد ذكرها في القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى:
(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).
فذكرها القرآن الكريم بحيائها، وورد تفسير الآية بأنّ الفتاة جاءت ساترةً وجهها حياءً، وروي عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- أنّها سترت وجهها بكُمّ درعها أو كمّ قميصها، وورد أيضاً أنّها غطّت وجهها بكلتا يديها، وورد في تفسير القرآن للطبريّ من إحدى الرّوايات أنّ الفتاة مشت بين يدي موسى عليه السلام- فضربها الرّيح فبانت مؤخرتها ، فقال لها موسى عليه السلام: (امشي خلفي، ودلّيني على الطّريق إن أخطأت).
كما أنّ من أخلاق زوجة موسى -عليه السلام- برّها بوالدها والسعي إلى مساعدته وتخفيف المسؤوليات والأحمال عنه، فبالرغم من صعوبة رعي الغنم وسقايته، إلّا أنّها وأختها قمن بأداء العمل عن والديهما ولم يُشغلاه به لكبر سنّه.
وحكاية لقاء موسى عليه السلام بصافورية ذكرها القرآن الكريم.
فقد شبّ نبيّ الله موسى -عليه السّلام- في قصر فرعون وتربّى تحت عينيه، وفي ذات مرّة رأى موسى -عليه السّلام- رجلاً من الأقباط من أتباع فرعون يُقاتل رجلاً من بني إسرائيل، فأسرع موسى -عليه السّلام- إلى نُصرة الرجل الإسرائيليّ فدفع القبطيّ ومات من فوره من غير قصد من موسى عليه السّلام، فانتشر الخبر بسرعة بين النّاس بأنّ موسى قتل رجلاً من الأقباط، فهمّ فرعون وملأه أن يقتلوا موسى -عليه السّلام- لأنّه قتل القبطيّ، فجاء رجل ناصح إلى موسى -عليه السّلام- بأن يخرج من مصر حفاظاً على سلامته من بطش فرعون وظُلمه، فخرج موسى من مصر متوجّهاً إلى مدين.
عندما كان موسى -عليه السّلام- في الطريق إلى (مدين)
وهي تقع اليوم غرب مدينة تبوك، بين تبوك وساحل البحر الأحمر، على حدود الحجاز.
وتسمى محافظة البدع وتبعد عن مدينة تبوك 250 كم غرباً، وعن ساحل خليج العقبة 25كلم شرقا، على الطريق الدولي في المملكة العربية السعودية المرتبط بالأردن بمنفذ الدرة.
وكانوا يبنون بيوتهم من الحجارة البدائية المستديرة الشكل، وتتكاثر حول بعضها، وتارةً تتباعد، وكان الناس ينقلون هذه الحجارة ويوظفونها في منازلهم أو مزارعهم، حيث يستوطنون الجبال أو الأماكن التي حولها آثار مياه ومزارع.
فوصل سيدنا موسى إلى مورد ماء عليه مجموعة كبيرة من الرّعاة يسقون مواشيهم، ورأى في ناحيةٍ أخرى امرأتين مع أغنامهما تنتظران انتهاء الرّعاة من السّقاء حتى يسقيا، فأقبل موسى -عليه السّلام- يستفسر عن حالهما، فأخبرتاه بحالهما بأنّهما لا تريدان مزاحمة الرجال لتسقيا، وأخبرتاه بأنّ والدهما رجل كبير لا يستطيع أن يسقي من مورد الماء، فسقى لهما موسى -عليه السلام- ثمّ لجأ إلى ظلّ شجرة بعد مشقّة السفر، ثمّ توجّه لله تعالى- بالدعاء ليكفيه همّ جوعه وعطشه، فجعل الله تعالى- له الفرج؛ إذْ أخبرت الفتاتان والدهما عمّا حدث معهما، وحدّثتاه عن موسى عليه السّلام، فبعث إحداهما تطلب من موسى الحضور إلى والدها ليتعرّف عليه ويشكره على حُسن صنيعه معهما، فذهب موسى مع الفتاة إلى والدها، وتعرّف عليه، ثمّ عرض الشيخ عليه عرضاً أكبر ممّا انتظر موسى عليه السّلام؛ إذْ عرض عليه أن يزوّجه إحدى ابنتيه مقابل أن يخدمه لثمان سنوات أو عشر في رعي الأغنام.
و(ثمان حجج) يعني : أن تكون أجيرا لي ثمان سنين، قال الفراء : يعني : تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب : آجرك الله بأجرك أي : أثابك، والحجج : السنون، واحدتها حجة، (فإن أتممت عشرا فمن عندك) أي : إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع، ليس بواجب عليك، (وما أريد أن أشق عليك) أي : ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) قال عمر : يعني : في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.
وذكر ابن عاشور في كتاب التحرير والتنوير أنّ موسى -عليه السّلام- بعد أن خُيّر بين الفتاتين اختار الصغرى؛ لأنّها أرشدته إلى طريق والدها، فعرف منها حيائها وأخلاقها فرجّحها على أختها، ثمّ تزوّجها.
دروس مستفادة من زواج موسى جاءت قصّة زواج موسى -عليه السلام- من زوجته مختلفةً عن العادة؛ لأنّ والدها هو من عرض على موسى -عليه السلام- أن يزوّجه إحدى ابنتيه، فكانت إيحاءً لجواز أن يخطب الرّجل لابنته من يرى فيه الخلُق والدّين، وهناك أمور أخرى مستفادة من قصّة موسى -عليه السلام- في طريقه إلى مدين أو حين التقى الرجل الصالح وابنتيه، منها:
-جواز الهجرة أو الخروج من البلد الذي يشعر الإنسان فيه أنّه غير آمن على نفسه أو على دينه أو على عرضه، حيث كانت هجرة موسى -عليه السلام- إلى مدين خوفاً على نفسه من ظلم فرعون وبطشه وطغيانه.
-اتصاف المسلم بالمبادرة لتقديم المعونة والمساعدة لمن يحتاجها دون سؤال وطلب ابتغاء نيل مرضات الله تعالى.
-عفّة موسى -عليه السلام- التي يجب أن يتحلّى بها الشباب المسلمين، فحين أقبل موسى -عليه السلام- على الفتاتين ليعلم حاجتهما استفسر عن حاجتهما فقط ولم يتوسّع في الحديث فيما لا حاجة له فيه.
-لجوء المسلم إلى الله -تعالى- وحده لبثّ وسؤال الحاجات والبعد عن سؤال الناس.
-الوفاء بالعهود والشروط من أخلاق المسلم، فموسى -عليه السلام- أوفى بعهده الذي وعد به الرجل الصالح وهو العمل برعي الأغنام.
-استحباب أن يُطمئن المسلم أخاه أو من لجأ إليه رغبةً وحاجةً في الحماية والمعونة، فعندما جاء موسى -عليه السلام- إلى الرجل الصالح طمأنه من فوره، حيث قال الله تعالى في القرآن الكريم: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
ويذكر أن موسى عليه السلام قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما هو عشر سنين على رأي الجمهور، وقوله: { وسار بأهله} قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده مصر وأهله، فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره.
فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلاً فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئاً فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك { آنس من جانب الطور نارا} أي رأى ناراً تضيء على بعد { فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً} أي حتى أذهب إليها { لعلي آتيكم منها بخبر} وذلك لأنه قد أضل الطريق { أو جذوة من النار} أي قطعة منها { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئون بها من البرد.
قال اللّه تعالى: { فلما آتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه( والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء) في لحف الجبل مما يلي الوادي فوقف باهتاً في أمرها فناداه ربه { أن يا موسى إني أنا اللّه رب العالمين} أي الذي يخاطبك ويكلمك هو { رب العالمين} الفعال لما يشاء تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات، في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، وقوله: { وإن ألق عصاك} أي التي في يدك، كما في قوله تعالى: { وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} ، والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها { ألقها فألقاها فإذا هي حية تسعى} ، فعرف وتحقق أن الذي يكلمه ويخاطبه هو الذي يقول للشيء كن فيكون. { فلما رآها تهتز} أي تضطرب، { كأنها جان ولى مدبرا} أي في حركتها السريعة مع عظم خلقتها واتساع فمها، واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعها تنحدر في فيها، تتقعقع كأنها حادرة في واد.
فعند ذلك { ولى مدبرا ولم يعقب} أي ولم يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال اللّه له: { يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين} رجع فوقف في مقامه الأول، قال اللّه تعالى:
{ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء} أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال { من غير سوء} : أي من غير برص. وقوله تعالى: { واضمم إليك جناحك من الرهب} قال مجاهد: من الفزع، وقال قتادة: من الرعب مما حصل لك من خوفك من الحية؛ والظاهر أنه أمر عليه السلام إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهو يده فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده. عن مجاهد قال: كان موسى عليه السلام قد ملئ قلبه رعباً من فرعون، فكان إذا رآه قال: (اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره) فنزع اللّه ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار ""رواه ابن أبي حاتم عن مجاهد"". وقوله تعالى: { فذانك برهانان من ربك} يعني جعل العصا حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: { إلى فرعون وملئه} أي وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، { إنهم كانوا قوما فاسقين} أي خارجين عن طاعة اللّه مخالفين لأمره ودينه.
ثم عاد إلى أهله، وواصل رحلته إلى مصر ودعوة فرعون الى الإيمان وتوفيت صافورية في حياته.
والله اعلم
مع تحياتي
عيسى السلامي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق