الثلاثاء، 30 يونيو 2020

🍅 اضغاث احلام 🍓

             الشاعر د محمد القصاص.يكتب
                         أضغاثُ أحلام
بقلم الدكتور محمد القصاص
مالت بي سِنَةُ الكرى لبضع دقائق ، فرأيتُ في منامي كما يرى النائمُ أنني أتبوأُ موقع مسئولية على قدر عالٍ من الأهمية ، رجلٌ مسئولٌ ومهمَّ ومدعوم كغيري من المسئولين الذين أمضوا حياتهم بموقع المسئولية ، تتوفر لهم كل إمكانياتِ الدعم المادي والمعنوي . فتمنيتُ أنْ تتحقق لي هذه الأمنية ولو ليومٍ واحد .
ولعلمي بأنَّ المسئولَ في هذه الأيام قد يكون أكثرُ حظاً ممن سبقوه في أيَّامٍ خلتْ ، حيث يتمتع المسئول المدعوم في هذه الأيام بكثير من إمكانيات ، لا حصر لها ولا حدود ، ولهذا تمنيتُ أن أكونَ مسئولا مُتمكناً ومدعوما على كافة الأصعدة ، ومن كافة القوى لكي أحقق كلَّ رغباتي وأحلامي وشهواتي وما تهوى نفسي ، بلا تردد ولا خوف ولا وجل .
فالمسئول المدعوم في هذه الأيام ( بعضهم وليس كلهم ) ، كما رأيتُ ورأى غيري الكثير منهم ، يتصرفون بلا وازع من ضمير ، ولا محاسبة من نفس ، يُفتونَ بما لم ينزل الله في تعاليمه السماوية ، ويقومون بإصدار القرارات الارتجالية  بلا وازع من ضمير ولا خوف من الله .
وفي خضمِّ ما يدورُ وراءَ بعضِ الكواليس من أحداث ومجاملات ونفاق وأمور لا نعرفها قد تكونُ الواسطات والرشاوى فيها على قدم وساق ، حيث تجد بعضهم يَطلُّ علينا بعباءةِ الوَرَعِ والتَّقْوى والعدل والاستقامة ، وحينما نمعن النظر في أفعاله نجد في أعماقه الكثير من المتناقضات ، بل نجده من عباقرة الواسطة والمحسوبية والظلم ومناهضة العدل .
ولسوء حظِّ مثل هؤلاء المحسوبين على الأمَّة والوطن ، وكأنهم رجالٌ ليس كمثلهم رجالٌ يتحمَّلون مسئولية الوطن والجيل والحياة كلها ، إلا أنَّهم ينكشفون بسرعة الرِّيح ، وتتكشف أحوالهم وتُفضحُ أمورُهم عند أدنى واقعة أو حدث أو قصة ، لتبدأ بوادرُ نهاياتِهِم بالظهور على غير العادة ، وبهذا تدورُ حولهم الأحاديث وتكثر الشُّبهاتُ ، وتظهر مساويء صنائعهم التي ارتكبوها على مدار السنوات التي عاثوا بها فسادا بحكم سلطاتهم وسلطانهم .
لسوء الحظ استيقظت من حلمي على وقع أحداث لم أكن أظنها قد تقع ، فقد قمت منذ ابتداء اللحظات التي غرقت بها في نومي ، بالمبادرة في تغيير كل ما حولي من ممتلكات ، فاستبدلتها بممتلكاتٍ جديدة على الفور ، كما قمت باستبدال الأشخاص من حولي بآخرين من جماعتي المقرَّبين والموثوق بهم حدَّا لا نهايةَ له ، ظانَّا بأنَّ كل العيونِ من حولي عمياء مغمضة ، ولا تُبْصرُ مفاسدي وصنائعي مهما فعلتْ . لم أدرك بأنَّ الساحة من حولي كلها تحت المجهرْ وأنَّ كل فعل أو حركة ، أقوم بهما محسوبة ٌ تماما بل حتى الأنفاس هي الأخرى محسوبة .
صحوت من نومي وعلى الفور خامرني ندمٌ وأسفٌ شديدٌ على ما فرَّطْتُ في جنب الله ،  وما فعلته بحق الناس وبحق نفسي ، لأني لم أحسب حسابا لله ولا للأمانة التي وكِّلْتْ إليَّ ، فخسرتُ بذلك نفسي ووظيفتي وكل إمكانياتي بِطَرْفَةِ عين .
لكني حينما استيقظت من نومي واستجمعت قواي قلت لنفسي :  لو تَحَقَّقَتْ أمنيتي حقيقةً وأصبحتُ مسئولا ولو لساعاتْ ، لما فوتُّ فرصةً واحدةً على نفسي ، ولسارَعْتُ في البحثِ عن أولئك المحتاجين أينما كانوا ، حتى لو لم يكونوا من أقاربي وأصدقائي والمحسوبين عليَّ لمساعدتهمْ ، ولن أدِّخِرَ ما بوسعي في ذلك أبداً . وسوف أقدمُ لهم كل ما ما باستطاعتي من إمكانيات ، وسأسخِّرُ كلَّ قدراتي لخدمة الجميع ، وإذا ما طُرِدْتُ من الوظيفة ، سأكون حينها على قناعَة بأنني أترُكُ ورائي سمعةً طيبةً لنْ يَمحوها الزمانُ ولا المكانُ ولا التاريخ ولا الناس .
لن أدَّعي العدالة كذبا ونفاقا ، ولن أوصد دون المحتاجينَ بابي أبداً ، ولن يغادروه بغير استجابةٍ مني ، وسوف أقدِّم لهم خدماتي بكل ما أستطيع دونما هوادة وبلا خوف ولا تردد ، وسوف أكون شجاعا بما يكفي للمثول أمام القانون والاستجواب وأنا على يقين بأن القانون والمحققين لن يكونوا إلا عادلين في حكمهم على مسئول مثلي ، نذر حياته لخدمة المحتاجين من البشر ، وخاصة أولئك الذين لا يجرؤون على طرق أبواب المسئولين إلا بشق الأنفس ، وقد لا تسنح لهم الظروف بطرقها أبدا كل سنوات حياتهم ، وقد تمضي فترة شبابهم ، وهم يتلهفون على لحظة يكون لهم فيها حظٌّ يسعفهم في الحصول على شيء من حقوقهم كمواطنين .
لكن كل من يدير ظهره للناس ، سيجد نفسه بعد انتهاء الوظيفة في مهب الريح ، ولنا في ذلك عبرة ، فقد كان أحد المسئولين في يوم من الأيام ، في مركز يمكنه من تقديم المساعدة لكل المحتاجين ، إلا أنه كان دائما يرد الناس عن بابه ، ويقول أنا أكره الواسطة والمحسوبية ، وعندما انتهت خدماته ، أصبح يدور في شوارع بلده وحيدا منبوذا ، لا يكلمه أحد ، ولا يسلم عليه أحد ، وإن أقبل على جمع من الناس انتشروا وتركوه وحيدا ..
لكني أجد الآن مثالا آخر بمنتهى الأخلاق لا يدخر ما بوسعه لمساعدة الناس ، وهو أحد نواب محافظة عجلون ، وأحسب أن الجميع يعرفه ويذكره بخير ، ولم أذكر اسمه لئلا تحسب تبعات هذا المقال ضدي .
لكني أتحدى أي مسئول أينما كان موقِعُهُ ، إن كان باستطاعته التخلي عن مساعدة الناس تحت أي مبرر كان ، وقد قال تعالى : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) .
صدق الله العظيم ....
الدكتور محمد القصاص - الأردن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق