الأحد، 30 أغسطس 2020

مأساه رجل 🥥

سعاد ..
مأساة رجل
قصة قصيرة
       الشاعر وعد الله حديد .يكتب

في الخامس عشر من كانون اول 2019

لم يكن جميل الصورة ,ولم تعرف الوسامة طريقا الى وجهه,لقد شاء الله ان يُخلق هكذا ,ولكن لا بأس فإن لديه مايغنيه عن جمال الوجه,ذلك هو جمال الروح ,إن في حوزته أدبٌ جمٌ وحلو كلامٍ نادرا ما تجتمع تلك الصفات في انسان لوحده.لاشك ان تكون تلك الصفات الاكثراشراقا وتأثيرا في النفوس فهي تقترن بحسن الخلق ,وحسن الخلق هو اقصى واجّلُ مايتمنى المرؤ ان يوصف به.
اما السحر والجمال وما ينطوي عليه من فتنةٍ واغراء  فتلك هي خصائص تقترن بالنسوة ,النسوة فقط.
لاتزال ملامح وجهه ماثلة في مخيلتي,منذ عهد بعيد ,تلك الملامح تجهد الذاكرة لقساوة تفاصيلها , يتخلل تلك التفاصيل بشرة محتقنة تجنح الى لون داكن.هذا هو الانطباع السائد عندما تلتقيه اول مرة ,وحينما تعتاد رؤيته ستمحو من ذاكرتك مارأيته اول مرة,ستراه انسانا مثل غيره ,عادياً.
إن وصفها بساحرة الجنوب والحائزة على لقب ملكة جمال المدارس الثانويه ليس وصفا دقيقا ولا يمكن لهذا الوصف ان يُنصفها ,انها اكثر روعة من ساحره واشد فتنة من ملاك ,اجتمعت فيها مقومات الجمال كلها وباتت ايقونة تمشي على الارض تتقاذفها الالسن والاعين على حد سواء .
إنها سعاد
هاهي ذي تصعد الى الحافلة وتجد لها مكانا قرب النافذة تجلس فيه,تلك هي حافلة للنقل العام في رحلة داخلية.
والقى بنظرة عابرة حوله مستطلعا المكان داخل تلك الحافلة من اجل ان يجد مكانا يجلس فيه او من اجل اشياء تدور في مخيلته,لم يجد مكانا شاغرا .فبقي واقفا شأنه شأن آخرين غيره,إن مشواره ليس بعيدا .
وترصد عيناه وجها طفوليا يتدارى قرب النافذه ,انه وجهها,.لايمكن للمرؤ أيّا كان جنسه وثقافته أن يتجاوزه,
ولكي يتبلور رصده للمكان  الى حد ما فقد كان الحظ حليفه بان تُشغل المقاعد جميعها مما استوجب وقوفه وسط الحافلة .وصار الركاب جميعا ضمن دائرة الرؤيا لديه.
وتبادل الاثنان نظرات تنم عن اشياء مبهمة ,ولكن..وبعد حين
انفرجت الشفاه عن بعض ابتسامة ,ولم تلبث النظرات ان توقفت بتوقف الحافلة ورحيل آخر شعاع لاشعة الشمس.
غادرتْ الحافلة في مكان يمكن ان يكون مجمعا سكنيا او  قرية سياحية لتشابه ازقتها وحداثة مبانيها 
ترجل هو الاخر ليلحق بها ,لم يكن هنالك الكثير من المارة ,كان الطريق شبه خال مما شجعه ان يصطف الى جانبها ويلقي التحية.
ردت باستحياء ولم تمانع ان يكون قريبا منها كأنه يعرفها منذ امد بعيد,
لقد بدأ الليل يرخي سدوله
إن المساكن التي مرت بها لم تعن لها شيئا مما يؤكد انها لاتمت بصلة لتلك الاماكن ولم يكن احد المساكن مسكناً لها ,
حثت خطاها باتجاه منطقة بدأ الظلام يلفها ويطمس معالمها ,لم تكن بيوتا بالوجه الاكمل انما هي اشباه بيوت,نعم هي (صرايف)بنيت بالطين والحصير,والبردي ,
ولكن هذا لايهم فتلك هي تفاصيل ليست من شأنه.
وحطت الرحال عند كشك منفرد متطرف لبيع السكاير والمشروبات الغازية واشياء اخرى هي من اهتمامات الاطفال,كشك يتيم وبضاعة اكثر يُتما , يلف المكان ظلام شامل ,وجو يبعث على النفور لمن يلتقيه اول مره.
وبلكنة اهل الجنوب القت التحية على امراة احتلت صدارة المكان ,كانت نبرات صوتها تفوح منها لمسة حنان , لابد ان المراة داخل الكشك هي احدى قريباتها
قواك الله يا أمي.
هذه المرأة التي تقبع في الكشك اليتيم مثل شبح هي امها ,ياللماساة,
صبية بعمر الزهور وحلاوة الورد تتفتح ضمن بيئة بائسة مثل التي تمثل امامه.
كيف يصادف ان تنمو وردة في مستنقع موبوء وروائح مؤذية .ولكن لاباس فبين الاشواك يمكن ان تنبت ورود ,ولم تبال المراة في الكشك ان تأتي إبنتها برفقة إنسان ٍغريب,ربما هي طبيعة اولئك القوم في تلك البقعة من المدينة,
 لابد ان ينقذ الموقف فبادر الى شراء .زجاجة مياه غازية ليبعد الشبهة عن تواجده متطفلا على اعتاب الكشك .
توالت اللقاءات بينهما وتوطدت العلاقة وكانت اكثر لقائاتهما تمر من خلال الكشك ,,ولكن هذه المرة هي من كان يتواجد في الكشك وليس امها ,انه يقف هناك كعادته دون اكتراث ,دون مبالاة أن أحداً سيعنفه أو حتى أن يسأله عن سبب تواجده المتكرر امام الكشك.
ومرت الايام وتلتها الشهور .
إنه يجب ان يتخذ قراراً فليس من المنطق ان يُشاغل الفتاة أكثر من ذلك وهو المعروف عنه انه يحمل من الاخلاق الشيئ الكثير.نعم لابد ان يفعل ما يجدر به فعله,ان يطلب يدها من ذويها,فإن وضعه الاجتماعي والمعاشي يؤهله المبادرة لفعل ذلك, و إن لم يكن ليفعل فالأجدر به ان يغادر الديرة معتذرا عما سببه من اشغال ومناورة لمشاعر الفتاة وخداع عائلتها.
انه يحث الخطى باتجاه منطقة سكناها,لقد  سبق واخبرها بنيته لزيارة عائلتها , لقد اتخذ قراره ولا سبيل بعد اليوم للمزيد من التحايل والمراوغة بعد أن حصل على موافقةٍ أوليّةً من ذويه,وهاهو يمهد للقاء الطرفين ,اهله واهلها.
إن الطريق َوعرةٌ تكتنفها مطبات وبرك مياه آسنه والسير فيها يستوجب الحذر لندرة الاضاءة وإنعدامها في معظم الطريق.
أحسّ أن شيئا غير عادي يكتنف المكان وجلبة وتدافع الصغار في الاتجاه الذي يسير فيه ,اولئك الصغار كانوا في حالة من الهيجان والفوضى,
هاهي ذي أدخنةٌ وروائح احتراقٍ تملأ المكان ,مشهد لا يسر احدا ,يا للمأساة
ان ألسِنَة اللهب  تنبعث من الدار(الصريفة) التي تسكنها سعاد, يالهول مايرى ..
وعلى اعتاب الدار تدافع الناس نسوة ورجال وهم في حالة من الرعب يصحبه إرتباكٌ وتخبطٌ كبيرين,إنهم جاؤا لمد يد العون في المساعدة لاطفاء الحريق ,
وطرق سمعه ما جعله يصعق ,يرتجف ..
ساعدونا على اطفاء النار,إن سعاد داخل الحمام وقد شبت فيها النار,
انه والدها الذي يستنفر الجميع في محاولة لاطفاء الحريق.
لقد حاولوا ان يقتحموا المكان ولكن ألسنة النار كانت شديدة حالت دون الاقتراب منها,إستطاعوا بعدها وببعض الجهد أن يحطموا الباب وينهالوا بالماء على المكان , أُخمِدت النارُ و لكن الاوان قد فات.
انهم يخرجونها جثة هامدة لا حياة فيها .لقد تعرضت لحروق متوسطة ولكن النيران لم تكن سببا في مفارقتها الحياة,
انها الادخنة التي تسببت في اختناقها بسبب صغر المكان.
كانت على موعد مع فتى احلامها وتدخّل القدر فأصبح موعدا مع حدثين ,الموت ولقاء فتى الاحلام .كان الموت هو الاقرب اليها ذلك الذي لم يكن ابدا في الحسبان وكان الارتباط بالرجل الذي كانت تستحم من اجل ان تلقاه على اكمل وجه وهو يطلب يدها,كان ذلك موعدا مؤجلا وسوف لن يتحقق ابدا..وضع القدر بصمته القاتلة وكان هو الاسرعُ من حلمها واشد وطأة.
أسند جبّار رأسه إلى أحدِ الأعمدة وانحدرت دمعة على خده,تبعتها دموع ساخنة اخرى ,لقد أحسّ انه لايمثل شيئا ولا يمت الى نفسه بصلة, انه ممزق وواهن ,لم يعد يحتمل الوقوف فَخَرّ الى الارض وتكوَم فوق ارضية طينية متسخة تتخللها بقع من الماء..وسط الصراخ والعويل والفوضى العارمة .
ذهبوا بسعاد الى اقرب وحدة صحية لاجراء اللازم وتوثيق الحادثة ,وبقي هو ملقى على الارض وكأنه قد فارق الحياة.
وعندما إستفاق من إغمائته تمنى ان يكون مارآهُ قبل سقوطه لايتعدى الحلم,,ولكنه اصطدم مرة اخرى بالواقع المرير,الواقع الذي لا مفر منه ,انه رحيل سعاد عن الدنيا والى الابد.لم يكن حلما ذلك الذي مر به,انها الحقيقة.
وغادرجَبّار ألمكانَ بعد أن إحتضنه والدها وطفق الاثنان يبكيان متعانقان يربت احدهما عل كتف الاخر ليخفف عنه ألم الفاجعة,انهما شريكان في الحزن ومصابهما واحد,استطاع جبّار أن يتحرر من بين يدي والدها وكأن الوالد بعناقه لِجبّار يستشعرُ أن إبنته هي التي بين يديه,
منظر مؤلم يُدمي القلبَ ويُدمع العينين 
واختفى في ظلمة الليل ووحشته  ,في ذات الطريق الذي سلكه كثيرا فيما مضى وله فيه اجمل ذكرى ولكنه سوف يتخلى عنه مرغما فالقدر هو سيد المواقف.
كانت سعاد حبه الازلي الذي ما تخلى عنه ابداً,احبها بشكل جنوني ,رافقته مشاعر فياضة ترقى الى مستوى قصص الحب الكبيرة التي نعرفها وقرأنا عنها.
وبقي جبار على العهد الذي قطعه على نفسه أن لن يعرف إمراةً بعدها مهما طال به الزمان,فان الالم الذي سببته له بموتها كان فظيعا لايمكن ان يتحمله انسان وان اية امراة اخرى سوف لن تحرك لديه جفن ولن يخفق لها قلبه ولن تسد الفراغ الذي خلفته سعاد برحيلها.
ذلك هو الوفاء بأجمل وانقى صورة له.
اختفى جبار وانقطعت اخباره منذ تلك الواقعة ..
وعد الله حديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق