قصة قصيرة
الشاعر: مرشد سعيد الاحمد.يكتب
_____________ الكذبة البيضاء ____________
عاش خلف وصديقه علاوي في قرية تل ألمگأصيص كتوأمين حيث يجلسان في مقعد واحد في الصف ويلعبان معا في ساحة القرية ويرعيا أغنامهم سوية خارج أوقات الدوام المدرسي وبعد أن أنهيا دراستهما الابتدائية تابعا دراستهما الإعدادية والثانوية في المدينة حيث سكنا سوية في غرفة واحدة بالإيجار . ثم تابعا دراستهم الجامعية حيث تخرج خلف مدرسا لمادة اللغة العربية وتخرج علاوي من كلية الحقوق وتوظف كلا منهما في الوزارة التي تناسبه .
تزوج خلف ابنة عمه سراب وسكن القرية حيث كان يداوم في إحدى الإعداديان المجاورة لقريته إضافة إلى عمله في زراعة قطعة أرض على ضفاف نهر الخابور ورثها من والده بعد وفاته
أما علاوي الذي تسلم رئيسا لدائرة حساسة في المدينة فقد تزوج معلمة اسمها كنانة من أهالي منطقة دير الزور اللذين يمتازون بطبعهم الحاد والعصبي فأنجبت له ولد أسموه قحطان وثلاثة بنات ففرضت عليه عدم التكلم إلا باللهجة الديرية وقطع علاقته بأهله وعدم زيارتهم إلا برفقتها بعد أن تلبسه أجمل اللباس وتعامله أمام أهله وأصدقائه كرجل يمارس عليها سلطته كأي رجل على زوجته وذلك خوفا من تزويجه من إحدى بنات عمه دون علمها. وفي ذات يوم قام أبو قحطان بزيارة صديقه خلف برفقة زوجته كنانة في مزرعته الجديدة . حيث دارت أحاديث مختلفة تناولت فساد الجيل وفساد الأخلاق وتغير المفاهيم والمبادئ وأصبح الإنسان الكذاب والمنافق هو الإنسان المحترم والمقدر في المجتمع مما دفع كنانة إلى القيام بتوبيخ زوجها علاوي وإهانته محملةً إياه تردي أوضاعهم المادية وخسارة معظم صديقاتها بسبب صدقه وتمسكه بالقوانين والأنظمة في عمله وعدم قبول الهدية أو الدعوة إلى وليمة أو سهرة . وأقسمت له بأنها سوف تنكد عليه عيشته وتخولها إلى جحيم إذا لم يغير طبعه ويصبح كذابا مثل بقية كذاب هذا المجتمع فرد عليها قائلا باللهجة الديرية : ( يا جماعة والله نصحچيي چذب بس ما حدا قائم يصدقني شكون تريدني اعمل ) أي أن نصف كلامي كذب لكن لا أحد يصدقني . فرد عليه خلف سوف أحكي لكم قصة بسيطة حول هذا الموضوع عسى أن تتعظ منها فقال : يحكى أن رجل أراد أن يتعلم الكذب فاتفق مع أحد كبار الكذابين والمنافقين على تعليمه الكذب والنفاق وبعد عدة أيام ذهب به إلى إحدى خيم العزاء للتطبيق العملي وبعد أن جلسا وقرأ كلا منهما الفاتحة على روح المرحوم أشار له بعينه أن يبتدع كذبة يحكيها فقال الرجل يا جماعة اليوم شاهدت ( جرو ) كلب صغير يَعْوِي في السماء فهب عليه الجميع متهمين إياه بالجنون أو تعاطي المخدرات أو المشروب . فدافع عنه مدربه قائلا : إن كلام صديقي صحيح فربما أن يكون أحد الطيور الجارحة كالنسر مثلا قد افترس هذا الكلب الصغير ويريد أن يأخذه لفراخه فصمت الجميع والبعض اعتذر منه . وبعد أن خرجا من خيمة العزاء قال له المدرب : عندما تريد أن تكذب يجب أن تكذب كذبة قريبة من ثقافة المجتمع حتى يصدقها ويتفاعل معها.
وأنا أيضا أقول لك يا صديقي العزيز عليك أن تسمع نصيحة هذا المدرب وأن تكون كذبتك قريبة من ثقافة تربى عليها هذا المجتمع في البيت وفي المدرسة وفي العمل بحيث يتقبلها دون تذمر بل يضيف إليها المستمع شيء من النفاق والدجل.
لقد وفقني الله بكذبة بيضاء بسيطة فغيرت كل حياتي بحيث أصبحت أملك بيت من طابقين في المدينة وبيت لأولادي في دمشق لمتابعة دراستهم في جامعة رواد العلم الخاصة ومنذ فترة قصيرة اشتريت هذه المزرعة من أحد الأصدقاء فردت عليه كنانة بصوت حزين ممكن يا أخي خلف تذكر لنا هذه الكذبة . فرد عليها خلف تكرمي أختي أم قحطان : منذ أكثر من ثلاثة سنوات وجهت لنا دعوة من مديرية التربية للمشاركة في تصحيح أوراق الشهادة الإعدادية وكان وضعي المادي شيء بسبب جفاف نهر الخابور . فأقسمت بأنني لن أقوم بتصحيح أي ورقة وان اقبض تعويض وإذن سفر وان اشرب الشاي على حساب أحد الزملاء وأكل سندويشة على حساب زميل آخر. وذات يوم تفاجئنا بوفد رسمي يزور مركز التصحيح برفقة تصوير تلفزيوني ولحسن الحظ فقد توجه رئيس الوفد إلى مكان تواجدي وطلب مني أمام الكاميرا أن أتحدث عن التصحيح فأحبته بكل ثقة : إن التصحيح أمانة في أعناقنا لذا يعتبر بالنسبة لنا عرس وطني جماهيري حيث نجتمع من جميع أنحاء المحافظة فنقوم بالتصحيح بكل صدقا وأمانة وأثناء الاستراحة نتناقش في الإجراءات الممكن اتباعها لتطوير العملية التربوية وأسلوب التعامل مع الجيل الجديد وخاصة بعد انتشار الإنترنيت والكومبيوتر .فرد عليه أبو قحطان بضحكة مجاملة : افهم من كلامك يا خلف حتى الاستراحة تضحوا بها فرد عليه خلف قائلا :
نعم نعم إن هذا الوطن يستحق منا التضحية بالغالي والنفيس من أجل عزته وكرامته .
------------------------ انتهت ------------------------------
بقلم : مرشد سعيد الأحمد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق