الاثنين، 26 أكتوبر 2020

🍩 الاخوة الاعداء 🍺

 الشاعر وعد الله حديد.يكتب

      الاخوة الاعداء..

مدونة بقلم وعد الله حديد

في الثالث والعشرين من تشرين اول 2018

 خمسة وخمسون عاما تفصلني عن ذلك اليوم الذي وضعت فيه يداي على هذه الرواية ,, رواية الكاتب الروسي دوستويفسكي (الاخوة الاعداء كارامازوف ) لم اكن امتلك الرواية يوم ذاك بل كنا اصحابا واقارب نتبادل فيما بيننا مايقع بين ايدينا من نتاجات ادبية بين روايات عالمية وقصصا بوليسية وصحفا ومجلات وقصص الاطفال حتى ,بغض النظر عن القيمة الادبية التي تحتويها تلك الكتب , كان هاجسنا الامثل والوحيد هو هاجس القراءة ولا شيئ غيرها..نتبادل فيما بيننا اي شيئ يمكن قرائته لعدم قدرتنا على الشراء حينها .

وبما انني لم اتأقلم مع مجريات الاحداث لتلك الرواية حينها لسبب بسيط هو ان تشابك تلك الاحداث وزخم الحوارات ودخول شخوص الرواية في دوامات الصراع الديني والعاطفي ودهاليز الفلسفة  وما يتعلق بالجنس احيانا,كل ذلك كان خارج حدود قدرتي على استيعابه لصغر سني, وفوق ذلك كله هو ان الحبكة الدرامية والاسلوب الراقي الذي دونت به الرواية كان  اعمق واكثر رقيا كي اتوصل الى فهمه فقد كنت حينها  في مرحلة عمرية مبكرة جدا كي اصل الى تحليل موضوعي لمجمل وقائع الرواية ,الا انني استطعت ان استوعب مقتطفات وبضعة احداث هامة وجوهرية لوقائع تلك الرواية, و لم يكن من الصعب علي ان احتفظ بفكرة الرواية واطارها العام حتى يومنا هذا.

واليوم ..استجمعت افكاري المنزوية في اطراف رأسي وشحذت قدراتي الايلة الى الخدر والتوهان وجئت بفكرة هي اقرب الى الواقع منها الى مجرد افتعال مدونة بائسة,انها فكرة استبيان الحقيقة في العداء الدائر بين شخوص الرواية وتقييم الحالة مع ماهو موجود بين الاخوة والاخوات وعلى مستوى العائلة بشكل عام على هذه الارض التي اقف عليها ضمن هذا الوطن .

نعم ..فأبطال الرواية تعصف بهم امزجة بنفسجية  وتتقاذفهم  امراض نفسية بين انفصام وجنون والحاد وهلوسة في اطار من العداء والبغضاء حد الانتقام والقتل,تلك هي اطراف سلوكيات مستهجنة دأب عليها اولئك الاخوة بصحبة ابيهم في ظل ضياع العقيدة والتوحيد والتدين الصحيح.

تلك هي بعض تلميحات للحياة التي الفها الاخوة الاعداء ,انها حياة تطفح الخيانة على سطحها وتشم روائح نتنة عن علاقات مشبوهة مثل علاقة جنسية مريبة بطلها الاب يشاركه فيها اكبر ابناءه يمارسان  الرذيلة مع امرأة واحدة ,حياة صاخبة يكتنفها فسوق وليالي حمراء داكنة ترعاها قلوب سوداء وتعشعش فيها نوايا سيئة ملؤها الخبث والحقارة,

تلك هي سمة الحياة لاولئك الاخوة مختصرة وذاك هو الوضع النفسي لاحداث الرواية ,وفي احداث الرواية تفاصيل اخرى مملة مقرفة سوف لن احتاج ان اتوغل فيها.

ولا وجه للمقارنة ان اردنا مقارنة 

فالمقارنة باطلة عندما نكون نحن (الشرقيون)في الكفة الاخرى من ميزان المقارنة ,لماذا؟

فعندما يكون التدين وعقيدة التوحيد ورفعة الاخلاق المتأتية عن الالتزام بأساسيات الدين ,عندما تكون تلك الامور مجتمعة سمة للقوم سوف تصبح نسبة الانحراف والتسيب والاستهتار بجميع اشكاله مقتضبة نادرة نوعا ما ولكنها مع ذلك لن تكون معدومة.

فانفصام الشخصية والجنون المفتعل ومجاميع الامزجة الملونة لا وجود لها في مجتمع شرقي مثل مجتمعنا وان صادف وجودها عرضيا فتلك هي حالة في نطاق ضيق وسوف لن ترقى مطلقا الى نحو شائع و مستديم .

ولا اقول اننا اصحاء بنسبة كبيرة واننا قد عقدنا اتفاقا مع مجاميع الامراض مزمنة وغير مزمنة ان لا تطأ ارضنا ولا تطال اجسادنا  وليس صحيحا ومن غير المنطق ان امراضا من انواع اخرى لم تعد تشكل لنا ارقا مستديما ومعاناة فامراض العصر (غير العضوية) لاتحصى وسوف لن نكون في منأى من الاصابة بأي منها متى شاءت هي وشاءت الاقدار..

فالمرض النفسي موزعا بين كابة وقهر وضغط نفسي وما يجر وراءه من احباط وتداعيات ان صادف وحل في مكان ما فسوف لن يقيم وزنا للطقوس والعبادات بين كفر وتوحيد ,وسوف يكون الجميع في دائرة الاصابة والعدوى.

العائلة هي مجتمع مصغر وان كانت هنالك تداعيات وممارسات منحرفة وبعيدة عن الاخلاق في مجتمع ما فان مصدر تلك التداعيات هي العائلة بدون شك ,اذن فهي الممول الوحيد لعناصر الخير والشر لاي مجتمع ,فالخير هو الاخر موجود في فرد او اكثرمن ذلك لتكتمل المعادلة .

وماهي المعادلة في الحياة ؟

لكي تستمر الحياة مثلما هو مقدرلها فيجب ان يكون هنالك عنصران لايتشابهان ابدا ولكنهما متناظران ,تبدأتلك المعادلة بالحيمن والبويضة ثم الذكر والانثى ,الخير والشر الملاك والشيطان..وهكذا الكثير من الثنائيات على مدى الكون.

وان لم تكن العائلة لتُصَدِرَ عناصر خيرها وشرها الى الجيران اولا ثم الى اقرب الاقربين ومن ثم تغزو المجتمع كمرحلة نهائية فسوف يقوم الابناء والاخوات وكل من كان عضوا  في العائلة بالتناحر فيما بينهم وذلك اضعف الايمان,

ورب سائل يسال عن اسباب تناحر عناصر عائلة واحدة .

تقاسم التركة والغيرة واستحقاق الديون المترتبة على فرد من العائلة تجاه احد الافراد الاخرين واسباب تافهة اخرى من  بينها شقاوة الصغار واعتداء بعضهم على بعض صغارا كانوا او كبار, كل تلك الاسباب او بعض منها يقف وراء نشوب نزاعات بين افراد الاسرة.

تحتل  الغيرة مكان الصدارة في اي عداء ينشب بين افراد العائلة خاصة عندما يكون عدد العوائل الشاغلة للمسكن بين عائلتين او ثلاثة او يزيد,فالجميع مجتمعين بين جدران هذا السكن ,والمراة هي المرشحة الاولى في اشعال فتيل العداوة بين الافراد بسبب غيرتها من احد اولئك الافراد او اية اسباب واهية اخرى تتخذها ذريعة لتشعل نارا عدائية تتكدر فيها الخواطر وتنشب خناقات بين الرجال وينقلب المكان الى شبه حالة  حرب .

وربما يصادف ان تكون الام (وهي لابد ان تكون فوق الشبهات كونها الاكبر سنا )ان تكون هي السبب في التوتر والمشاحنات التي تحصل ,

ومهما تكن الذرائع وراء تصرف الام فهذا لن يمنحها حق التصرف باتجاه خلق الكره والحقد بينها وبين الافراد من جهة وبين الافراد فيما بينهم من جهة اخرى

ويرتكب الرجل (ابا كان او اخا او ابنا)حماقة فيعلن حربا على المراة او على من وقع اختياره عليه للاستهداف فيكيل السباب ويتهدد ويتوعد يستقر الوضع بعدها وتهدا العاصفة مخلفة ورائها حقد وضغائن ومقاطعة,

وتنحى المرأة ان كانت (اختا او بنتا اوزوجة)منحى الرجل في سلوكياته ولكن بايقاع اخف وتحط الرحال على حقد وبغضاء مصحوبة بالكثير من التشنج والقليل من ضبط النفس والتروي وقد تتفوق في هذا الجانب على غريمها الرجل.

وجراء تلك التداعيات والمشاحنات يضمر الفرد حقدا لاخيه او لاخته او حتى لامه وابيه .

وعندما يرسم القدر  للام او للاب نهاية محتومة وهو الموت فسوف تُلقي تلك النهاية بظلال مأساوية على الافراد جميعا,ويدب الصراع بطيئا فيما بينهم ويسري التهامس والتلامز وسوف لن يكون ذلك معلنا وانما سيكون عن طريق التلميحات والتشكي يتبعها موشحات من التظلم  من قبل من يستشعر ظلما وهذا من شانه ان يخلق حالة من الضيق والتكدر وهي بداية حالة العداء بين الاخوة.

وتطفو على السطح بشكل متوازي مع اغماضة عين احد الوالدين مسالة اقتسام الارث و(الغنائم)ان صح التعبير,

ويرى الكثيرون ان الارث مشكلة عويصة وارضاء الاطراف امرا صعبا وقد ينظر اليه بشكل مختلف وخارج الضوابط المعمول بها تشريعيا, من طرف احد الافراد المشمولون بالتركة ,

ويتم التوزيع احيانا بصفة غير عادلة حيث يُسلب حق عضو معين  في العائلة بدون سبب معقول  او يعطى اقل مما يستحق مالا  وأدون متاعا  او بضاعة وهذا بحد ذاته خروج سافر على تعاليم الدين الاسلامي مما يولد ضغينة وحقدا غير مسبوق لدى من يعتقد ان ظلما قد اصابه جراء تلك القسمة  وسوف يحدث شرخا هائلا في سياق العلاقات الاخوية والمشاعر الانسانية بين الافراد على المدى البعيد وتصبح صلة الرحم ضمن منزلق خطير خطير . 

وهذه هي احدى مسائل الخلاف بين الاب(فيودور) وابنه الاكبر(ديمتري) في الرواية  اظافة الى العداء الدائر والدائم بينهما لرغبتهما الجامحة في الاستحواذ على امرأة واحدة هي (كراشونيكا).

ففي سياق تقسيم الثروة بين الابناء يستحوذ الاب على ثروة زوجته الغنية المتوفاة والتي هي والدة الابن الاكبر ديمتري فيبدد ثروتها جميعها على الخمرة والنساء والقمار مما يتسبب  بحرمانه من تركة امه ويولد هذا الفعل  عداءا كبيرا عند ه ويفكر بطريقة لقتله فيسبقه اخاه (اللقيط  من علاقة غير شرعية) ويقتل اباهما ويخلص الجميع من تسلط الاب ودكتاتوريته

وهكذا هي الحال دوما وفي كل وقت واي زمان ولا وجه للاستثناء في هذا الجانب من الحياة ولا في غيره,,فسوف لن يكون هنالك سقف اسمه الحق يمكن للجميع الانضواء تحته وشريعة يمكن ان يلجا اليها من يستشعرظلما و غبنا,فقد اصبح كل شيئ مباحا في هذا الزمان واصبح القانون والشريعة اداة طيعة بيد المتمكنين وذوي القوة والنفوذ.

عندها سوف ينقلب الحق باطلا والشريف مجرما والمستور سفيها ,وبعد هذا كله سوف تضيع العائلة مثلما ضاعت قبلهم عائلة الاخوة الاعداء مع فارق الانتماءات الدينية والفلسفية , 

وطالما ان كلتا العائلتين اصبحتا في حالة ضياع مع سبق اصرار اعضائهما وجنوحهما نحو سلوكيات منحرفة وشريره ادت بهما الى المحاكم والمشافي واحيانا الى الجنون او الموت 

اذن ..

فالمشاكل الاجتماعية وما تؤول اليه من عداوات و(خراب بيوت) لن تقتصر على مجتع معين متحضرا كان او غير ذلك ولن يقتصر تأثيرها على اصحاب عقيدة معينة او سواها ,فان جميع الامكنة والديانات هي مشاريع اصابة بمرض التناحر..والبغضاء.

وعد الله حديد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق