الخميس، 22 أكتوبر 2020

🥖 رعاية الابداع 🍗

الشاعر فائز احمد علي.يكتب

 رعاية الإبداع


     في علم إدارة الأعمال، ولنجاح العملية الإدارية هنالك عدة شروط يجب على المدير أن يتحلى بها. ومن أهم هذه الشروط أنه عليه ألا يقتل حامل الرسالة. بمعنى أن المدير إذا جاءه أحد مرؤوسيه متحمساً وهو يحمل آراءً وأفكاراً من شأنها أن تحسن من أداء المؤسسة, فإنَّ على المدير أن يحتفي به وبالآراء والأفكار التي قدمها.. فهذا الأمر فيه إبقاء على جذوة الإبداع داخل هذا المرؤوس. أما عدم الإحتفاء بهذا الموظف المتحمس المبدع والعمل على تثبيط همته والتلقليل من شأن أفكاره.. فهذا هو ما يسمى بـ (قتل حامل الرسالة).

     مراجع علم الإدارة تقدم العشرات من العبارات التي يمكن أن ينطق بها المدير وتؤدي إلى إخماد جذوة الإبداع داخل الموظف الموهوب وتقتل بذلك حامل الرسالة قتلاً سريعاً مؤلماً, ومن هذه العبارات:

1. هذه فكرة عظيمة ولكن..

2. لقد جربنا ذلك من قبل ولم ينجح.

3. نحتاج إلى أفكار أخرى بجانب هذه الفكرة.

4. هنالك الكثير من التعقيدات في هذه الفكرة.

     القادمون الجدد إلى الوسط الإبداعي (الثقافي - الفني - الإجتماعي - الرياضي - السياسي - العلمي - الخ) دائما يأتون بحماستهم وبراءتهم وعفويتهم، وهذه العوامل إذا وجدت إدارة متخصصة في تبني الإبداع ورعايته فإن هذا الإبداع سينمو ويزهر ويزدهر.. وأما إذا لم تجد ذلك وقوبلت بما يخمد جذوتها ويضع المتاريس أمامها فإن المبدع سينكفيء على نفسه ويفقد انطلاقته البكرة البتول الخالصة التي لم تقيدها المحاذير ولم تحط بها المخاوف من تقديم ما لا يرضي ولا يسر.. وبالتالي, بعد قليل سيفقد هذا المبدع الشغف الذي يدفعه إلى الإبداع وتفقد بذاك البلاد والإنسانية رؤى كان من شأنها أن تجعل الحياة أفضل.

     البلاد لا تحتاج إلى التشريعيين والتنفيذيين فقط، بل تحتاج إلى التشريعيين والتنفيذيين المبدعين. الشهادات الرفيعة والقدرات الإدارية مسألة هامة.. ولكن حامل الشهادة العليا والمدير الحاذق إذا لم يكن مبدعاً فإنه سقف عاجزاً أمام المشكلات الكبيرة، جزعاً أمام التحديات المصيرية.

     الصينيون عندما أرادوا أن يقيموا ثورتهم نظروا إلى أعدادهم التي كانت تقترب من المليار نسمة وغيروا نظرتهم إلى أنفسهم.. قالوا بأنَّنا لسنا (مليار مستهلك)، بل نحن (مليار منتج). فحولت هذه الفكرة الإبداعية نقطة ضعفهم إلى نقطة قوة.

     في بداية جائحة كورونا، واجهت الحكومة الفلسطينية ذات الاقتصاد الضعيف جداً واجبها الأخلاقي بحماية مواطنيها من الفايروس القاتل.. وبسبب قلة عربات الرش وعدم توفر المياه، قام رجال الإطفاء في هذه الدولة العظيمة بإبتكار رشاشات ماء دقيقة منخفضة التكلفة جداً تقوم بنثر سوائل المعقمات على هيئة رذاذ.. فقاموا بوصل هذه الرشاشات المبتكرة بعربات الإطفاء القليلة أصلاً.. وبدأوا برش الرذاد. نجحت الفكرة بتعقيم مساحات واسعة جداً بعربات أقل وبكمية معقمات أقل.. أثمرت جهودهم وتحققت أهدافهم.. وبذا, قامت الفكرة الإبداعية بتحقيق الأهداف كاملة وفقط باستغلال الموارد المتاحة على قلتها.

     حل مشاكل وطننا العربي لا تحتاج إلى كفاءة علمية وإدارية فحسب.. بل تحتاج أيضا إلى كفاءة مبدعة تحول نقاط ضعفنا إلى قوة.. وتستغل مواردنا بوضعها الحالي من أجل أن تحقق الأهداف كاملة.

     مدارسنا في كافة مراحلها يجب أن يكون فيها معلمون مدرَّبون في كافة المراحل.. مهمتهم فقط إشعال جذوة الإبداع داخل التلاميذ والطلاب، ومن ثم رعايتها وتنميتها وتطويرها. نريد مناهجاً تصنع المبدعين وأساليب تدريس مبدعة وخلاقة للإبداع في نفس الوقت.

     مما لا شك فيه, أننا لو أردنا أن نبني أمة متقدمة، علينا أولاً أن نبني أجيالاً مبدعة. لذا, يجب أن تكون هناك قوانين حامية للإبداع ومشجعة على الإبداع. أمَّا قتلة من يحملون الرسالة، فهم في المقام الأول يقتلون أنفسهم ويقتلون أوطانهم ويقتلون مستقبلهم الواعد بأيديهم.

     كم أتمنى أن تكون في بلادنا العربية وزارات حقيقية مخصصة للإبداع، تتبناهُ وترعاهُ، نعم.. (وزارة الإبداع) في كلّ بلدٍ عربي، وزارة حكومية معتبرة، تُخصص لها الموارد وتقوم بعقد الشراكات الذكية في الداخل والخارج. وزارة لها أهدافها وخططها الاستراتيجية. وزارة يُقيَّم فيها الأداء باستمرار ويتم التأكد من أنَّ أهدافها تتحقق.

     هذا ما يجب أن يكون. لا يجب أن ندَّعِي بأننا نأخذ موقفا نتبنى فيه الإبداع ونرعاه, ونحن في نفس الوقت لا نفعل شيئا في سبيل تحقيق ذلك. حان الوقت، جاء الوقت، الوقت هو الآن، وقت تحمل المسؤولية.. فلنبدأ فوراً، رجاءً.


بقلمي/ فائز أحمد علي

السودان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق